محمد غازي عرابي

881

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

العين ضخام الأعين ، وهن الصفات الإلهية التي تخلع على الواصلين بفعل الحوار بين شقي الذات ، أو الذات الكلية والذات الجزئية ، وأصل الصفات إلهية ، وما من شيء في هذا الوجود إلا وهو إلهي ، ولكن اللّه جعل إليه سلما من هذه الصفات نفسها ، تبدأ بالحجب وتنتهي بالأنوار . والواصلون لا يفقدون شيئا من صفاتهم الإنسانية ، إلا أن الحوار الذي صار إليها يزيد الواصلين جمالا إلى جمال صفاتهم ، وكمالا إلى كمالهم ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) ، وقال سبحانه : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، فالنبي أو الولي زينة للناظرين ، ومثل إلهي تطوف حوله أحلام القاصدين . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 50 إلى 61 ] فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 50 ) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ( 51 ) يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ( 52 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ ( 53 ) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ( 54 ) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ ( 55 ) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ( 56 ) وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 57 ) أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ( 58 ) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 59 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 60 ) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ ( 61 ) [ الصافات : 50 ، 61 ] القرين من قال فيه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لكل إنسان قرينه من الجن ) ، فالقرين من لا ينفك عن حديث النفس والداعي إلى الانصراف عن اللّه وإنكار وجوده وإنكار البعث ، ولقد كان لرسول اللّه قرينه ، ولكن اللّه أعانه عليه فأسلم فأصحاب الجنة محفوظون من القرين ، وإن ظل القرين يوسوس ليمثل دوره المرسوم في إحداث الانشقاق والفتق ، فما لا يزرع في النفس المادية لا ينبت ولا يحصد ، فالقرين بعد الكشف مسلم وإن بدا كافرا ، وهو داع إلى اللّه عن طريق إنكار اللّه ، وهذه لطيفة لا يعيها إلا من جاهد نفسه حتى انقلبت نار الجهاد بردا وسلاما عليه . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 62 إلى 68 ] أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( 62 ) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ( 63 ) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ( 65 ) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 66 ) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ( 67 ) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ( 68 ) [ الصافات : 62 ، 68 ] شجرة الزقوم فرع من الشجرة الجامعة التي هي أم الوجود ، ووصفها سبحانه بأنها فتنة للظالمين وللوصف نكتة ، ذلك أن صوت القرين يكون فارس الميدان وحده ، فمن لم تصبه رحمة اللّه فيجعل اللّه نورا في قلبه ، فإن صوت القرين يبقى الملهم وحده ، فيبتلع القرين الإنسان حتى لا يعود سوى مطية للقرين ، وكثيرهم المطايا وما أكثر الضالين الذين يظنون أنهم يفكرون وينظرون ويستنتجون وما علموا أن ما بهم من فعل القرين ، وأن القرين من خلق اللّه